سوريا : ثورة أم إنقلاب ؟

La version Française de cet article est disponible ici

Русскую версию можно прочитать здесь
*

لا
تزال قضية مجموعة Pussy Riot تتصدر الواجهة، حتى كادت محاكمة المشاغبات المقنعة
الثلاث تخفي عن انذارنا الحرب الأهلية الرهيبة التي تجري في سوريا. في حين إجتاح
ما يعرف بالربيع العربي (2011) عدداً من دول الشرق الأدنى والأوسط، من بينها
سوريا. على غرار ما جرى في تونس أضرم شاب سوري إسمه حسن علي أكلح النار في نفسه.
 
تدهورت
الوضعية الأمنية بشكل محسوس منذ شهر ابريل 2011 ، حيث وقعت صدامات عنيفة بين
المتظاهرين والجيش السوري. على الرغم من الاجرائات متعددة التي اتخذها النظام
السوري في هذه الفترة من أجل احتواء الغضب والتوتر الشعبي (الخفض من أسعار المواد
الغذائية، توظيف عدد من العاطلين، عدم إدخال الضريبة على القيمة المضافة وأيضاً
إنشاء صندوق لمساعدة المحتاجين ..)، فإن التوتر إستمر وازدادت حدة المظاهرات في
ارجاء البلاد. عرفت سوريا في ربيع سنة 2011 حقاً ربيعها العربي.


عند
حلول صيف 2011 أسس المنشقون عن الجيش السوري ما سمي بالجيش السوري الحر، ثم دخل في
مواجهات قاتلة مع الجيش النظامي. في نفس الفترة تأسس هيكل لمعارضة افتراضية مكونة
من لجان محلية لتنسيق المستقبل السياسي السوري والتي أدت إلى إنشاء المجلس الوطني السوري (CNS) بتركيا في أكتوبر 2011 ، مجلس
تحت نفوذ جماعة الإخوان المسلمين.
 
سريعاً،
أصبح المجلس الوطني السوري الجناح السياسي للجيش الحر (منذ نوفمبر 2011 )، ثم أسس
قاعدته في تركيا. منذ أوائل 2012 إقترح المجلس على بعد الدول الغربية القيام
بضربات جوية احتياطية وقام أيضاً بدفع أجور المقاتلين الذين يحاربون الجيش النظامي
السوري. عرفت سنة 2012 إشتداداً للعنف وبروز بدايات حرب أهلية وسياسية في سوريا.
في ابريل 2012 ، تشكلت بعثة للأمم المتحدة من أجل إيقاف القتال، لكن هذه المحاولة
(التي سميت خطة عنان)
باءت بالفشل.  في نفس الوقت و على المستوى الدبلوماسي عرضت روسيا والصين
باستعمالهما حق النقد (VETO) ثلات محاولات للأمم المتحدة هادفة إلى الضغط على نظام
دمشق. دون مفاجأة، لم يذكر الإعلام الغربي إلا الفيتو الروسي، وذلك شكاً في أن
روسيا تساند دكتاتوراً أخر، كما حدث (حسب ظنهم) في ليبيا. الواقع أن الموقف
الدبلوماسي الروسي كان أكثر عمقاً حيث أدرج في حساباته موازنات جيوستراتيجية
إقليمية وأساسية.
 
تشكل
روسيا مع الصين نظاماً دبلوماسياً ثنائياً داخل منظمة BRICS (الصين، البرازيل، روسيا، الهند
وجنوب إفريقيا). من بين المبادئ التي يؤمنون بها إحترام سيادة الدول وعدم التدخل
في الشؤون الخاصة للبلدان. يتعلق الأمر هنا بمواجهة بين رؤيتين مختلفتين للعالم
:رؤية لعالم  أحادي القطب و أخر متعدد الأقطاب. ترى روسيا والصين ان تجارب
أفغانستان، العراق وليبيا تجارب فاشلة وأن التدخلات العسكرية للدول الغربية لم
تنجح إلا في إلحاق الدمار في البلدان المستهدفة.هكذا الحال بالنسبة لأفغانستان
(التي مازلت في حرب) والعراق (المنقسم إلى 3 جهات) وليبيا التي أصبحت تحت سيطرة
متشددين اسلاميين الذين يساهمون في زعزعة إستقرار سوريا بإرسالهم المقاتلين.
 
علاوةً
على ذلك لا تريد روسيا والصين إعادةً أخرى لما حدث في ليبيا حين أدى عدم معارضتهم
للعقوبات على ليبيا إلى تدخل عسكري لم يكون الهدف منه منع تدمير مدينة بنغازي ، لكن حرباً مفتوحة لقلب نظام
القذافي. كما يؤكد باسكال بونيفاس :
عندئدٍ، أحس الروس والصينيون وأيضاً
بعض دول الجنوب أنهم خدعوا، مما جعلهم يرفضون أي قرار جديد لمجلس الأمن

.
 
النظام
البعثي لبشار الأسد نظام إسلامي، علماني وسلطوي. يمكن انتقاده كباقي الأنظمة في
المنطقة، لكنه، كنظام سياسي يمتلك مزايا لا يمكن انكارها. إستطاعت الأقلية العلوية
الشيعية التي ينتمي إليها الرئيس السوري أن تفرض تعايش سلمي بين كل الديانات
والطوائف الموجودة بسوريا وذلك بقمع المتطرفين الإسلاميين وبحماية الأقليات
الموجودة، والتي تمثل ما بين 30 و 35% من الساكنة. أما الغالبية السنية (65 إلى 70%
من الساكنة) فتتضمن  أقلية متشددة من الإخوان المسلمين، والتي تولت القيادة
السياسية لما يسمى بالمقاومة السورية. هذا التيار لا يمثل الأغلبية عند المسلمين
السنة، ولا عند معارضي نظام الأسد. 
 
يمكن
إذاً أن نتساءل لماذا يلقى تنظيم الجيش الحر هذا الدعم من الخارج بالرغم من
المشاهد المرعبة للتعذيب والذبح وقتل لمؤيدي النظام السوري (مدنيين كانوا أم عسكر)
المنتشرة حول العالم. من المؤكد اليوم أن سوريا أصبحت محجاً للمجاهدين وأن هذه
المجموعات المسلحة تلقى دعماً مادياً من تركيا، قطر والمملكة العربية السعودية من
جهة ومن بعض الدول الغربية (إنجلترا، ألمانيا والولايات المتحدة) من جهة أخرى.
 
من
ثم، فإن سوريا تتعرض الأن لعدوان خارجي، منظم من طرف ائتلاف لأنظمة دكتاتورية
إسلامية ودول غربية وأيضاً الحليف المركزي لنيتو (NATO) في المنطقة وهي تركيا. الغريب هنا، هو أن هذه الدول
لا تهتم بالوضع في البحرين، حيث تسيطر أقلية سنية على الحكم في بلد به غالبية
شيعية، دون التردد في إطلاق النار على المتظاهرين العزل، الشيء الذي لم يحدث لحد
الأن في سوريا.
 
 
المعايير
المزدوجة ؟
 
يصحب
هذه المواجهة العسكرية حملة إعلامية حادة. تم وصف معركة دمشق (يوليو 2012) على أنها الضربة القاضية لنظام
الأسد. لم يحدث ذلك، بل أعاد الجيش النظامي السلم إلى العاصمة في أقل من 15 يوماً،
وعادت شرفات مقاهي دمشق لتمتلئ من جديد. أما معركة حلب التي وصفت أنها المعركة الحاسمة لإسقاط
النظام، فإنها تحسم في هذه الأثناء لصالح الجيش السوري، والذي عبء أقل من 15% من
القوات للسيطرة على هذه المدينة الإستراتيجية. موازاةً لذلك، تم تصوير تقارير
كاذبة في ستديوهات بقطر من أجل التركيز على الحرب الإعلامية والسيكولوجية ضد
النظام السوري ومن أجل تحطيم الروح المعنوية للجيش. عانت روسيا أيضاً من هذه الحرب
الإعلامية ضد سوريا، حيث تم نقل تعاليق كاذبة تدعو لرحيل بشار الأسد مرتين
لمسؤولين روسيين (السفير الروسي بفرنسا ثم نائب وزير الخارجية).
 
يمكن
أخيراً أن نتساءل إذا كان من مصلحة دول مثل فرنسا الدخول في مثل هذه الصراعات، كما
يزعم بعض المفكرين الفرنسيين. إذا نجح هذا العدوان على سوريا، سوف ينتج عنه تدمير
لأخر نظامٍ علماني في المنطقة ولا يمكن تخيل  هل سيكون التوجه الجديد لنظام
مكون من مجموعة متطرفة في سوريا في صالح السلام والإستقرار في المنطقة.
على نطاق
أوسع، سيحدث إنهيار النظام البعثي في سوريا ضغطاً أكبر على إيران والذي لا يمكن
توقع نتائجه.

Leave a Reply

Your email address will not be published.